top of page

الجليد الأسود الساخن

قد يكون هو الشكل الأكثر شيوعًا للمياه في الطبيعة



أيمكن لاكتشاف الجليد فائق التأين أن يَحُل لغز تكوُن الكواكب الجليدية العملاقة مثل أورانوس ونبتون؟ في وقتنا الحالي يُعتقَد أن لديهم قشرة خارجية غازية أو مختلطة كيميائياً،و طبقة سائلة من الماء المتأين تحت ذلك،وأيضًا طبقة صلبة من الجليد فائق التأين والتي تمثل الجزء الأكبر من اللب، بالإضافة إلى مراكز صخرية.


ومؤخرًا في مختبر الطاقة بالليزر في برايتون، بنيويورك، استُخدِم أحد أقوى أجهزة الليزر في العالم لتفجير قطرة من الماء، مما خلق موجةً صدميةً رَفعت ضغط الماء إلى ملايين من وحدات الضغط الجوي ودرجة حرارته إلى آلاف الدرجات. والأشعة السينية التي عَبَرت خلال القطرة في نفس الجزء من الثانية قدمت للبشرية أول لمحة للماء في ظل تلك الظروف القاسية.

وقد كَشفت الأشعة السينية أن الماء داخل الموجة الصدمية لم يصبح سائل فائق الحرارة أو غاز بل على عكس ذلك فقد تجمدت الذرات وشكلت جليدًا بلوريًا.


وقال (ماريوس ميلوت) من مختبر (لورانس ليفرمور) الوطني في كاليفورنيا "مباشرة بعد سماع الطلقة سترى أن شيئًا مثيرًا للاهتمام كان يحدث" وقد شارك (ميلوت كولد) في قيادة التجربة مع (فيديريكا كوباري) و (لورانس ليفرمور) أيضًا.

إن النتائج تؤكد أن وجود الجليد فائق التأين يعد حالة جديدة للماء مع خصائص غريبة. وعلى عكس الجليد المألوف الموجود في ثلاجتك أو في القطب الشمالي، الجليد فائق التأين أسود وساخن. مكعب منه يزن أربعة أضعاف وزن الجليد الطبيعي.

وقد تم التنبؤ بوجوده نظريًا قبل أكثر من 30 عامًا، وعلى الرغم من أنه لم يُشاهَد حتى الآن يُعتقد العلماء أنه قد يكون من بين أكثر أشكال المياه وفرة في الكون.


من المحتمل أن يَكُون هناك الكثير من المياه على شكل جليد فائق التأين يملأ المناطق الداخلية من أورانوس ونبتون أكثر من أي حالة أخرى بما في ذلك السائل المتدفق في المحيطات على الأرض، يوروبا والقمر إنسيلادوس. ومن المحتمل ان نتمكن باكتشاف الجليد فائق التأين ان نحل الألغاز حول تكوين هذه العوالم الجليدية العملاقة.


وقد اكتشف العلماء بالفعل ثمانية عشر بنية محيرة من بلورات الثلج بما في ذلك الترتيب السداسي لجزيئات الماء الموجودة في الجليد الشائع، والمعروف باسم "الحالة الجليدية الأولى". بعد الجليد الذي يأتي بصورتين "الحالة الجليدة الأولى" و "الحالة الجليدية الثانية" يتم ترقيم باقي اشكال بلورات الثلج الثمانية عشر تبعًا لتاريخ اكتشافهم.


الآن يمكن للجليد الفائق التأين أن يدعي الجليد الثامن عشر، حيث أنه يمثل شكل بلوري جديد، ولكن مع بعض التغييرات الفريدة. وذلك لأن جميع أنواع جليد المعروفة سابقًا مصنوعة من جزيئات ماء سليمة ومكتملة أي أن لكل منها ذرة أكسجين واحدة مرتبطة بذرتي هيدروجين. ولكن القياسات الجديدة تؤكد أن الجليد الفائق التأين ليس كذلك، حيث انه في تركيبِهِ كالخيال، جزء صلب، وجزء سائل. تتفكك جزيئات الماء وتشكل ذرات الأكسجين هيكل شبكي وذرات الهيدروجين تتحرك بحرية لتتدفق كالسائل خلال قفص صلب من الأكسجين.


ويقول الخبراء إن اكتشاف الجليد الفائق التأين يثبت صحة تنبؤات الحاسوب، والتي يمكن أن تساعد فيزيائيين المواد على صياغة مواد مستقبلية بخصائص محددة. ولكن يتطلب العثور على الجليد قياسات فائقة السرعة وتحكمًا دقيقًا في درجة الحرارة والضغط، مما يؤدي إلى تطوير التقنيات التجريبية حيث قال (كريستوف سيلزمان) أن كل هذا لم يكن ممكنًا قبل خمس سنوات، وهو نفسه مكتشف البُنيتان الثالثة عشر والرابعة عشر للجليد وقال: "انه سيكون لهما تأثير هائل بالتأكيد".


فاعتمادًا على من تسأل، يعد الجليد فائق التأين إما إضافة أخرى إلى مجموعة الصور التجسيدية المتراصة للماء أو شيء أكثر غرابة. قالت الفيزيائية (ليفيا بوف) من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي وجامعة (بيير وماري كوري): "إنها حقًا حالة جديدة للمادة، وهو أمر مذهل إلى حد ما".


كان الفيزيائيون يدرسون الجليد الفائق التأين لسنوات عدة حيث توقعت محاكاة حاسوبية بدائية بقيادة (بيرفرانكو ديمونتيس) في عام 1988 أن الماء سيتخذ هذا الشكل الغريب شبه المعدني إذا دفعته إلى ما وراء خريطة الحالات الجليدية المعروفة.

اقترَحت المحاكاة أنه يمكن ان تنكسر جزيئات الماء تحت ضغط وحرارة شديدين. وقال (ميلوت):"مع حبس ذرات الأكسجين في شبكة مكعبة تبدأ الهيدروجين في القفز في البلورة إلى من مكان الى آخر مرات عديدة" وتكون هذه القفزات سريعة جدًا مما يجعلها تبدو وكأنها تتحرك كحركة السوائل.


ويشير هذا أنه يمكن للجليد فائق التأين أن يوصل الكهرباء كالمعادن، وذلك لأن ذرات الهيدروجين تلعب دور الالكترونات كالمعتاد، ولكن هنا سيشكل تدفق ذرات الهيدروجين إلى زيادة القصور الحراري والذي سيجعل الجليد فائق التأين اكثر استقرارًا من باقي بلورات الجليد المكتشفة مما يسبب ارتفاع درجة انصهاره.


كل هذا يسهل تخيله، ولكن يصعُب تصديقه، فقد استَخدمت النماذج الأولى فيزياء مبسطة، وشقت طريقها عبر الطبيعة الكمومية للجزيئات الحقيقية ومع أنه قد أَدخِل للمحاكاة اللاحقة المزيد من التأثيرات الكمومية ولكنها لا تزال تتجنب المعادلات الفعلية المطلوبة لوصف تفاعل أجسام كمومية متعددة التي يصعب حلها.


بدلاً من ذلك، اعتمدوا على التقريبات، مما أثار احتمال أن يكون السيناريو بأكمله مجرد سراب في المحاكاة، وفي اثناء ذلك، لم تستطع أي من التجارب توفير الضغط المطلوب دون توليد حرارة كافية لإذابة حتى هذه المادة القوية.

ومع تفاقم المشكلة، زادت شكوك علماء الكواكب بأن الماء قد يكُون له مرحلة جليدية فائقة الأيونية. ففي الوقت الذي تم التنبؤ به أول مرة كان المسبار فوايجر الثاني يُبحِر في النظام الشمسي الخارجي وقد كَشَف معلومات غريبة حول المجالات المغناطيسية العملاقة لجليد أورانوس ونبتون.


حيث تتكون المجالات المغناطسية لباقي الكواكب من قطبين شمالي وجنوبي واضحين كما لو كان لهم قطعة مغناطيسية كبيرة في مركزهم تتماشى مع محاور الدوران خاصتهم. وقد برر العلماء هذه الظاهرة بأن مراكز هذه الكواكب تحوي سوائل موصلة للحرارة تدور مع دوران المركز وتكون هذه المجالات المغناطيسية.

وعلى عكس ذلك، تبدو مجالات أورانوس ونبتون المغناطيسية أكثر تعقيدًا حيث تتكون من عدة اقطاب غير متماشية مع محاور دورانهما، وأحد طرق تكون هذه الأقطاب هو حَصر السوائل المسؤولة عن تكوين المجالات المغناطيسية في القشرة الخارجية للكواكب عوضًا عن لبها الداخلي.


ولكن فكرة أن هذه الكواكب لديها نواة صلبة لا تبدو واقعية، حيث انه إذا حُفِر في تلك الكتل الجليدية العملاقة من المتوقع ان تكون أول طبقة تحته عبارة عن ماء متأين يتدفق ليكون التيارات ويشارك في تشكيل المجالات المغناطيسية، هذا منطقيًا يعني أن جميع المواد في أعماق هذه المادة ستكون في الحالة السائلة ايضًا.


وقالت (سابين ستانلي) من جامعة (جونز هوبكنز) :"اعتدت دائمًا إلقاء النكات بأنه لا توجد طريقة أن تكون الطبقات الداخلية لأورانوس ونبتون صلبة بالفعل ولكن اتضح لي الان انه من الممكن ان يكونوا كذلك".

أما الآن وأخيرًا قد جمع (كوباري)، (ميلوت) وفريقهم قطع الألغاز معًا، فقد كَشَفت تجربة سابقة اُقيمت في فبراير الماضي بعض الأدلة الغير مباشرة على وجود الجليد الفائق التأين حيث قاموا بضغط قطرة ماء في درجة حرارة الغرفة بين أطراف ماستين مقطوعتين وبحلول الوقت الذي ارتفع فيه الضغط إلى ما يقارب الجيجا باسكال تحولت قطرة الماء الى بلورة رباعية سُميت لاحقًا بالحالة الجليدية السادسة.


وبعد زيادة الضغط إلى 2 جيجا باسكال تحولت القطرة الى شكل مكعب اكثر كثافة وشفافية وسُمي بالحالة الجليدية السابعة، واليي قد اكتشف وجودها العلماء داخل الألماس الطبيعي.

وبعد ذلك استهدف (ميلوت) وزملاؤه مكعب الجليد "في حالته السابعة" باستخدام ليزر(اوميغا) الذي لا يزال بين سطحي الألماس، وفور اصطدام الليزر بسطح الألماس بدأ بالتبخر مما أدى لتحرك الألماس للاتجاه المعاكس وإرسال موجة صدمية عبر الجليد الذي قد ذاب عند درجة حرارة 4700 درجة مئوية وكان ذلك متوقعًا للجليد الفائق، وأيضا قام الجليد بتوصيل الكهرباء بسبب حركة البروتونات المشحونة.


مع تسوية هذه التنبؤات حول الجليد الفائق التأين اتخذَت دراسة جديدة بقيادة (كوباري) و(ميلوت) خطوة كبيرة لتأكيد هذه التنبؤات. حيث قال (سيلزمان): "إذا كُنتَ تريد اثبات إذا ما كان شيئا ما بلوريًا أم لا فأنت بحاجة إلى حيود الأشعة السينية".

وقد تخطت تمامًا تجربتهم الجديدة الجليد في حالته السادسة والسابعة، حيث ان الفريق قام بتحطيم الماء باستخدام الليزر، وبعد مرور وقت طويل وعندما انتشرت الموجات الصدمية وبدأت المياه تتبلور في مكعبات ثلج بحجم نانومتر، استخدم العلماء ستة عشر حزمة ليزر أخرى لتبخير قطعة رقيقة من الحديد بجوار العينة.


لِيَنتُج عن ذلك بلازما ساخنة غَمَرت بلورات المياه بالأشعة السينية والتي قد انحَرفت عن البلورات مما سَمَح لفريق العمل بتمييز بِنية هذه البلورات.


وقد ترتبت ذرات الماء كما هو متوقع منذ مدة طويلة، ولكن كانت تلك أول مرة يتم رؤية هذا الهيكل في الحقيقة، الجليد في الحالة الثامنة عشر: شبكة مكعبة مع ذرات الأكسجين في كل زاوية وفي مركز كل وجه، وقال (كوباري): " اِنه لتَقَدُم كبير".

وقال (بوف):"حقيقة وجود هذه الحالة من الجليد وأنها ليست من صنع بالمحاكاة الديناميكية الجزيئية الكمومية، لكنها حقيقي وهذا مريح للغاية".


ويشير هذا النوع من التطابق الناجح بين عمليات المحاكاة والجليد الفائق التأين إلى أن الحلم النهائي لباحثي فيزياء المواد قد يكون قريبًا في متناول اليد.

وقال (ريموند جانلوز) عضو فريق الاكتشاف ومقره جامعة كاليفورنيا:" انت تُخبرني ما هي الخصائص التي تريدها في المادة، وسنذهب إلى الكمبيوتر ونكتشف نظريًا ما هي المادة ونوع البنية البلورية التي ستحتاجها"، وأضاف (بريكلي):"المجتمع كَكُل يقترب".

تشير التحليلات الجديدة أيضًا إلى أنه على الرغم من أن الجليد الفائق التأين يمكنه أن يوصل بعض الكهرباء، إلا أنه ليس صلبًا تمامًا، إذ انه سيتدفق مع الوقت، ولكن ليس باستمرار. حيث أن داخل أورانوس ونبتون قد تتوقف الطبقات السائلة بعد حوالي ثمان آلاف كيلومتر للأسفل، حيث توجد عباءة من المواد الراكدة، والثلج فائق التأين مثل الذي أنتجه فريق (ميلوت) يبدأ مما قد يحد من معظم تأثيرات المجالات المغناطيسية مع مراعاة مجالات هذه الكواكب الغير اعتيادية.


غالبًا لا تستضيف الكواكب والأقمار الأخرى في النظام الشمسي البقع الداخلية الجيدة لدرجة الحرارة والضغط اللازمين للسماح بالجليد الفائق الأيونية بالتكون. لكن قد تفعل ذلك العديد من الكواكب الخارجية العملاقة، مما يشير إلى أن المادة يمكن أن تكون شائعة داخل العوالم الجليدية في جميع أنحاء المجرة.


بالطبع وعلى الرغم من ذلك لا يوجد كوكب حقيقي يحتوي على الماء فقط، فمثلًا في بعض عمالقة نظامنا الشمسي توجد بعض المواد الكيميائية كالميثان والأمونيا، وقال (ستانلي):" إن مدى حدوث السلوك الفائق في الطبيعة يعتمد على ما إذا كانت هذه المراحل لا تزال موجودة عندما نخلط الماء مع المواد الأخرى أم لا"، فحتى الآن كل هذا غير واضح على الرغم من أن باحثين آخرين جادلوا بضرورة وجود الأمونيا الفائقة التأين.


بصرف النظر عن توسع الأبحاث القائمة لتشمل مواد أخرى، يأمل الفريق أيضًا في الاستمرار في التركيز على الازدواجية الغريبة والمتناقضة لبلوراتهم الفائقة التأين.

فقال (ميلوت) عن رصد شبكة ذرات الأكسجين:" من الواضح أنها أصعب تجربة قمتُ بها على الإطلاق"، حيث أنهم حتى الآن لم يرو تدفق البروتونات خلال هذه الشبكة، وأضاف (كوباري):" من الناحية التكنولوجية، لم نصل إليه بعد ولكن المجال ينمو بسرعة كبيرة".



 

المصدر:

Quanta Magazine

 

ترجمة: نور جناحي


مراجعة و تدقيق: مريم جواد العريبي

48 views0 comments

Recent Posts

See All

Comments


bottom of page