top of page

كيف تلون الحيوانات نفسها بواسطة الهياكل النانوية

Updated: Feb 6, 2022


تحيط بالمملكة الحيوانية ألوان بمختلف تراكيبها، وتستجيب أعيننا لهذه الألوان وفقاً لما يتصوره الدماغ. كما تحتوي هذه المملكة على عدداً لا يمكن إحصائه من السكان الذين يتمتعون على نحو استثنائي بألوان جميلة ومبهرة، كالطاووس، أسماك المهرج، الطوقان، الحرباء النمرية، الأخطبوطات الزرقاء، الببغاوات القرمزية، والكثير غيرها.

وفي الكثير من الأوقات، يعرف العلماء عن كيفية قيام الحيوانات باستخدام ألوانها بشكلٍ أكبر من معرفتهم بكيفية تصنيعها لها. حيث يتم تكوين الألوان الهيكلية في الحيوانات عندما تقوم بإنشاء مجموعة من الخصائص البصرية لأنسجتها عن طريق المقياس النانوني. ويضاف إلى ذلك، أن الحيوانات تتمتع بخصائص صغيرة ومميزة في أجزائها مثل الريش، الجلد، الشعر، والحراشف، وهو ما سنتطرق إليه للكشف عن هذه الأسرار التي تعد حقائق مثيرة للاهتمام للفيزيائيين والمهندسين في مجال صناعة الضوئيات.

العديد من الألوان المتواجدة في الطبيعة، وعلى وجه الخصوص في المملكة النباتية تنتج من خلال أصباغ تقوم بعكس جزءاً من الضوء وتمتص المتبقي منه، وذلك لكون أن النباتات تتحكم في عملية التركيب الكيميائي الحيوي، وبالتالي تستطيع خلاياها صنع أنواع كثيرة من الأصباغ. من هذا القبيل، تقوم الأصباغ الخضراء كالكلوروفيل بعكس الجزء الأخضر من الطيف، بينما تمتص الأطوال الموجية الصفراء والحمراء الطويلة والزرقاء القصيرة. وكذلك، الأطوال الموجية التي تنعكس أو تمتص تعتمد على تركيب الصبغة الجزيئي بالإضافة إلى المسافات الدقيقة التي تكون بين ذرة وأخرى في هياكلها الجزيئية.

نقيضاً لما سبق، تعد المملكة الحيوانية بشكل عام فاقدة للمسارات الأيضية التي تتعلق بصنع معظم الصبغات. وتعتبر الميلانين الصبغة السائدة في الحيوانات محدودة، وتكون إما بنية اللون (اليوميلانين)، أو صفراء محمرة (الفيوميلانين). وتستخدم الحيوانات الألوان التي تحتاجها لأغراض مختلفة كالتنكر ودرء الحيوانات المفترسة، أو للتواصل كجذب الطرف الآخر.

في الغالب، يمكن للحيوانات الحصول على الأصباغ اللازمة من خلال نظامها الغذائي، فنرى مثلاً أن ألوان ألوان الطيور الزاهية كالأحمر والأصفر تأتي من أصباغ الكاروتينويد التي تتواجد في طعامهم.

على الرغم من السابق ذكره، هذا لا يعني أن جميع الأصباغ التي تحصل عليها الحيوانات تكون من خلال نظامهاالغذائي، وذلك لأن لسيت جميعها متاحة للأكل في الطبيعة. ولهذا فإن هنالك بعض الأنواع من الحيوانات كطائر القيق الأزرق، سمكة النيون تترا، ضفادع السهام السامة، وغيرها لا تعتمد على الأصباغ وإنما تستخدم الحيل البصرية عن طريق صناعة ما يطلق عليه "الألوان الهيكلية".

تقوم الألوان الهيكلية بعملية مثل المصفاة فهي تسمح بمرور بعض الأطوال الموجية. وعلى الرغم من أن آلياتها الضوئية تختلف من نوع إلى آخر، إلا أن الهياكل النانومترية في موادها مشابهة لأطوال الضوء الموجية. ونظراً لكون أن الهياكل تحيد ألوان الضوء بشكل مختلف فإنها تخلق التأثيرات الداخلية.

إيضاحاً لذلك، ذكر الخبير في تلون ريش الطيور ريتشارد بروم من جامعة ييل، أن الأمر يتعلق بوجود الكثير من الهياكل الصغيرة التي تعمل على تشتيت الضوء ومن ثم تتفاعل الموجات المتناثرة مع بعضها، والذي يؤدي بدوره إلى تعزيز البعض من الألوان وإزالة الأخرى.

ويعد جديراً بالذكر، أن الذي يميز هذه الطريقة عن غيرها من الطرق هو القدرة على التكيف، وهذا ما أوضحه كولي الذي يدرس البيولوجيا المستوحاة من المواد البصرية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، عندما نبّأ أنه لا يهم ما هي المواد التي تصنعها بها طالما أنها شفافة.

بالإضافة إلى ما سبق، يكون تقزح الألوان الهيكلية ذا جاذبية بصرية متميزة. نتيجة لأن الضوء الذي ينعكس من أعلى الطبقة الأساسية للون من الممكن أن يكون خارج الطور مع ضوء منعكس من الأسفل، فإن اللون ممكن أن يبدو ساطعاً أو يكون متدرجاً عندما يتم النظر إليه من زوايا مختلفة. على سبيل المثال، فراشات المورفو تتميز بلون أزرق ساطع، وذلك لأن جناحها منحوت بأخاديد دقيقة ومخططة مشابهة إلى نتوءات الشجرة التي تحيد وتعكس موجات الضوء، مما يتسبب في تداخلهم مع بعضهم بطريقة ينتج عنها اللون الأزرق القزحي.

من ناحية أخرى، بين كولي ومجموعة من زملائه في دراسة أجريت في عام 2015، لمعرفة كيفية قيام الرخوي بطلينوس (المحار) ذا الأشعة الزرقاء بتوليد خطوط زرقاء مشرقة ومميزة على صدفته. واتضح لهم أن المسألة تعود إلى وجود طبقات شفافة من بلورات كربونات الكالسيوم في غلاف الصدفة منظمة كصفائح مجهرية متعددة، مع حيود كل طبقة وانعكاس قطعة من الضوء. ونتيجة لذلك، فإن موجات الضوء المنحرفة تتفاعل مع بعضها البعض وتعتمد على سمك كل طبقة وطول الموجة، فتقوم إما بالإضافة أو الإلغاء. وعندما تحصل الموجات على سمك الطبقات الصحيح (100 نانومتر)، يعمل البطلينوس على جعل جميع الأطوال الموجية ما عدا الزرقاء تلغي بعضها البعض.


في صدد آخر، هناك بعض الأنواع من الحيوانات التي لديها القدرة على استخدام ظواهر مشابهة في ألوانهم الهيكلية. فمثلاً، يرجع السبب من وراء إحدى الحيل التي يستخدمها كلاً من الأخطبوطات ورأسيات الأرجل في تغيير ألوانهم بطريقة فنية، هو أن بعض من خلايا الكروماتوفور التي في جلدهم تحتوي على طبقات من البروتينات يطلق عليها (الانعكاسات) والتي من الممكن أن تتغير بسرعة من حالة مرتبة إلى حالة مضطربة. وكذلك من خلال زيادة سماكة هذه الطبقات وتقليلها، تستطيع الحيوانات أن تعكس أطوال موجية مختلفة وتبديل الألوان التي تظهرها للعالم.

نقيضاً للأخطبوط، ليس في استطاعة البطلينوسأن يغيير شكل طبقاته بعد أن يضعها على الأرض، ولهذا فإن كيفية بنائه لهيكل طبقاته بدقة يعد أمراً غامضاً. وفي هذا السياق، ذكر كولي أن ديناميات علم المواد التي تكمن وراء ذلك غير مفهومة بشكل مذهل.

إلا أنه على الرغم من ذلك، أحرز كلاً من بروم وفينود ساراناثان اللذان من كلية ييل-نس في جامعة سنغافورة الوطنية وآخرون غيرهم تقدماً في فهم كيف بإمكان بعض الطيور إنتاج ألوان هيكلية وراء ريشها الأزرق البراق، وتبين أن ذلك يحدث من خلال ما يسمى بعملية فصل الطور.

وتفسيراً لذلك، تغطي البطلينوس شعرات ملونة (خيوط) لها هيكل رغوي وأجسام كروية صغيرة متحدة من الهواء ومتدنية في بروتين البيتا-كيراتين. وعند حدوث تضخيم عالي، فإنه ينتشر بعيداً خارج كل رغوة هواء، والذي بدوره يتفاعل مع الضوء الذي يرتد بعيداً عن الرغوات المجاورة. وذكر بروم أنه ينتج عن كونهم في الحجم المناسب عند القيام بذلك، أنهم يصنعون لوناً أزرقاً، أو لوناً فيروزياً، أو لوناً فوق البنفسجي.

وتظهر الدراسات أنه في داخل خلايا ريشة الطير النامية، يبدأ البيتا-كيراتين بالانتشار في السيتوبلازم المائي، وتسبب التغيرات الكيميائية في الخلية فصل كلاً من البيتا-كيراتين والماء بطريقة تلقائية، ونتيجة لذلك، تتكون قطرات ماء كروية في داخل بيئة من البروتين المبلمر. وبعد موت الخلية، يحدث تبخر للماء وتمتلئ الفراغات بالهواء، تاركاً ذلك حفرة كرة مصغرة مكونة من فقاعات الهواء، والتي تعمل على عكس الضوء عند الطول الموجي المناسب.

تشبيهاً لذلك، قال بروم أن العملية أشبه بفتح زجاجة بيرة، إذ بشكل مفاجئ تحصل على تكثيف، حيث يشكل ثاني أكسيد الكربون المذاب فقاعة، وهذه الفقاعة تنمو إلى حجم معين ومن ثم تطفو. وأضاف، أن هذه الأشياء تبدو تماماً مثل رأس البيرة.

في حين أن الريش الأزرق لطائر القيق الأزرقوأغلب الطيور الأخرى، تكون هذه الفقاعات مضطربة، إلا أنه في تاريخ 8 يونيو، أفاد كلاً من ساراناثان وبروم وزملاؤهما عن أحداث الأكاديمية الوطنية للعلوم، بأن هنالك نوعاً واحداً على الأقل، وهو طائر الأوراق أزرق الجناحفي شرق آسيا يكتسب اللون الأزرق المتلألئ لريش كتفه من فقاعة بلورات مرتبة بإتقان. وتم اكتشاف هذه البلورات الدائرية من قبل الباحثون، عندما قاموا بوضع ريش طائر الأوراق تحت خط أشعة سينية قوية في مختبر أرجون الوطني.

ولتوضيح المقصود بالبلورات الدائرية، فإنه يمككنا القول أنها عبارة عن سطح منخفض متواصل والذي يشكل بنية دورية، أي أنها عكس مفهوم الكرة، ففي حين أن الكرة لديها انحناء إيجابي موحد، فإن البلورات الدائرية تكون بمثابة جسم على شكل سرج مع انحناء سلبي موحد. وتتمثل إحدى الخصائص المميزة للبلورات في أنها تقسم المساحة إلى مجموعتين كنظام النفق، ومفصولة بغشاء يقوم بعكس كل منهما على الآخر بإتقان. ونظراً لوجود حالات مختلفة لهياكل البلورات، فإنه يُعرف الهيكل باسم البلورة الدائرية المزدوجة عندما تمتلئ كلا المجموعتين بسائل في داخل الخلية الحية، أما إذا امتلئت مجموعة واحدة فقط فإنه يُعرف باسم بلورة دائرية مفردة.


ترتيباً على ما سبق، تستعرض البلورات الدائرية المفردة لطائر الأوراق نفس الميزة البصرية لطبقات البطلينوس. تبياناً لذلك، عبّر بودو ويلتس، عالم فيزياء المواد الناعمة بمعهد أدولف ميركل في فريبورغ؛ سويسرا،أنه هناك تغييراتمحلية على نحوٍ دوري في معامل الانكسار، أو ترتيب دوري لمواد مختلفة ومشتتة للضوء.

كما أنه ورَد في عام 2010 من قبل ساراناثان، بروم؛ وزملاؤهم، بأنه مسبقاً شوهدت البلورات الدائرية المفردة فقط في الطبيعة في بعض حراشف الفراشة. كما أظهر كلاً من جيرد شرودر تورك، الذي يدرس المواد الحيوية في جامعة مردوخ في أستراليا؛ وزملاؤه، أنه عندما تتطور هذه الحراشف، فإن الغشاء الشبكي الإندوبلازمي الذي في خلاياها ينشئ صفيحة بها سائل على كلا الجانبين، مما ينجم عن ذلك، تكوين بلورة دائرية مزدوجة، ومن ثم تمتلئ إحدى المجموعتين بالكيتين وتتجمد. وفي حال موت الخلايا، فإنها تترك وراءهابلورة دائرية مفردة.

ويعتقد الباحثون أن عملية التشكيل أو القوالبهذه كانت الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها البلورات الدائرية المفردة أن تتشكل في الطبيعة. بدلاً من ذلك، يشير الدليل إلى أن طائر الأوراق يصنع بلوراته الدائرية بنفس الطريقة والتي هي تعتبر قريبة نسبياً من طريقة صنع القيق الأزرق حفرات كرته المضطربة من الفقاعات، ويعنى بذلك عن طريق فصل الطور. ويضاف إلى السابق ذكره، ما قاله كلاً من ساراناثان وبروم بأنه شيء لا يمكن أن يتم توقعه بناءً على نظرية موجودة في فيزياء المواد الناعمة.

ويشير الاكتشاف إلى أن بلورات كهذه باستطاعتها أن تتجمع ذاتياً، وهذا ما شجع المهندسين على أن يبحثوا عن طرق أفضل لصنع مواد للتطبيقات الضوئية، وذلك ليتم نقل الضوء الأزرق بشكل أكثر فاعلية، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون ليف بصري مبطن بنوع من مادة زرقاء عاكسة موجودة في طائر الأوراق حتى لا تتمكن الضوئيات الزرقاء من الهروب.

في نهاية السياق،أنبأبرومبأن جميع الأليافالبصرية التي يتم تصنيعها الآن على نحوٍ مرهق باستخدام الهندسة الدقيقة،تفعلها الطيور عن طريق التجميع الذاتي. ويوافق كولي على ذلك، ففي العام الماضي وصف هو وفريقه لمجلة (Nature photonics) طريقة محسنة للتصوير المجهري للمجال المظلم عن طريق استخدام مادة مستوحاة من حراشف جناح فراشات بابيليو. فضلاً عن ذلك، يعمل الآن كولي مع أحد الطلاب لملاحظة كيفية نحت الأخاديد ذات المقياس النانوي في حراشف الجناح المرسوم للسيدة الفراشة. وأردف، يجب أن يكشف فهم هذه العملية لهذه الأنواع عن كيف تطورت بنية الحراشف الأساسية في معظم الفراشات. وقال ختاماً، أنه يأمل أن يكون هناك مبادئ ميكانيكا حيوية (بيوميكانيكية)، والتي يمكننا أن نطبقها لصنع هذه المواد في نظام ماديات مختلفت ماماً.

 

How Blue Animals Color Themselves With Nanostructures | Quanta Magazine

 

ترجمة:

حليمة عبدالقادر


مراجعة و تدقيق:

نور عبدالرضا

"محامية، شخص غير محدود يسعى ويحب أن يكون جزء من كل ما يتعلق بهذا الكون والفضاء."

84 views0 comments

Recent Posts

See All

Comments


bottom of page